how to add a hit counter to a website
أخبار محلية الواقع الثقافي

صاحب الابتسامة لفكرية شحرة .. بشاعات الحرب في بدائع السرد

علوان الجيلاني

(صاحب الابتسامة) هي العمل الروائي الثالث للكاتبة فكرية شحرة بعد روايتيها (عبير أنثى)2014م ، و( قلب حاف) 2016م ، إضافة إلى مجموعة قصصية اسمها (غيبوبة) صدرت سنة 2014م ، وكانت هي باكورة مؤلفاتها كما أعتقد .
(صاحب الابتسامة) التي بين أيدينا اليوم صدرت في جزأين الأول عام 2017م ويقع في 192صفحة من القطع المتوسط ،و الثاني عام 2018م ويقع في 253 صفحة من القطع المتوسط أيضاً
تبدأ الرواية بتمهيد فلسفي مبسط قبل أن تحتدم أحداثها عند دخول الحوثيين صنعاء ، يرتكز الاشتغال فيها على ثلاثة محاور المحور الوثائقي الذي يقدم مشهد الحرب في اليمن بكثير من التفاصيل يستوجبها الوضع ويستوجبها السرد نفسه وهو سرد يقدم إدانات قوية لما يحدث من خلال التفاصيل المرعبة للاعتقالات والقتل والقصف والموت الجماعي والمجاعات والخوف والتمزق النفسي وعبث الانسان بالانسان
المحور العاطفي الرومانسي المتمثل في علاقة الحب الملتهبة بين بطل الرواية وحيد وعفراء العدنية وهو محور وجودي تتحكم فيه الحرب وتطبعه بطابعها قرباً وبعداً
أما المحور ثالث فيتشكل من وقود العمل أقصد مجموع الشخصيات التي تظهر في العمل هنا وهناك مثل عبد الله اليمني أو تعزية الرصيف أو عاطف صاحب الدكان أو محمد مدرب التنمية البشرية ،أو أحمد النويرة أو حاتم ومراد وأنورالمجند أو شايف وسماح حيث يبني السرد من تلك الشخصيات سرديات مؤازرة ومساندة كثيراً ما تتأسس بها وجهة النظر تجاه المشهد العام أو المشهد الحياتي الذي يخلقه السرد .
نتابع تطورات حياة الصحفي الناجح وصاحب شركة التوزيع الناجحة الذي تتفتح الدنيا كلها لابتسامته والذي ،ظللت طوال القراءة أحاول إقناع نفسي أن شخصيته لا تتأسس في شخصية حميد شحرة رحمه الله ، إن جاز لي أن أقحم مثل هذا الراي الشخصي في قراءة نقدية حيث أني ربما أكون واقعاً تحت مؤثرين ، اسم الرواية الذي يستدعي حميد إلى أذهاننا وكون الكاتبة هي أيضاً أخته .
بعيداً عن هذا تمضى حياة وحيد على نحو ممتاز كشخص مبدع ذكي وعصامي يبني نفسه لديه زوجة محبة وأربعة أطفال ولديه كأغلب الكتاب المميزين حبيبة تملأ حياته جمالاً وبهاءً وتخفف عنه ضغوط العمل ورتابة الحياة الزوجية عفراء مثقفة وناشطة جيدة وهي جنوبية من عدن مقابل حميد الإبي تجمع بينهما العاصمة صنعاء التي يشعرنا السرد في بداية الرواية بشيء من عبقها وجمالها الذي عرفناه بين 1990 – 2010م ، وبدخول الحوثيين صنعاء وهروب الرئيس وتلاحق الأحداث التي تبلغ ذروتها بقيام الحرب في ربيع عام 2015م يكتب حميد مقالاً حماسياً يؤيد التحالف فيقوم الحوثيون باقتحام شركته ونهبها واعتقال بعض موظفيها لتبدأ رحلة معاناته هارباً مختبئأ عند صديقه النويرة فيما هو يتمزق خوفاً على أسرته وتعباً لحؤول الأحداث بينه وبين عفراء ووجعاً لمآلات الوطن وما يتعرض له الزملاء والأصدقاء من ابتلاءات لا حصر لها ثم تمضي الأحداث ويعايش حميد كما تعايش أسرته مراراتها حتى يخرج من صنعاء ليتعرض لحادث في صحراء مارب تنتج عنه إصابات خطيرة
ينقل إلى الرياض للعلاج وعلى سرير المستشفى تصله الأحداث الكثيرة التي كان أكثرها إيلاماً موت أمه
يعود وحيد إ لى مارب ليترك صديق عمره شايف يلتحق بالجبهة فيما يذهب هو إلى عدن للقاء عفراء التي ما يلبث مقتل شايف أن يفرقه عنها ويعيده إلى مارب
انكتبت الرواية بأسلوب سلس ورفيع يجمع بين صفاء العبارة وبلاغتها والعاطفة المجنحة التي تصل أحياناً إلى مستوى الشعر
(مازلت كطفل منهك الرغبات ، ألجأ إلى طيفك أضمه ، كي أنام وأشعر بالدفء ، كطفل تمنى الحصول على طائرة شراعية يحلق بها فوق الغيوم ، لكنه سقط في واقعه المحتوم ، تهفو إليك نفسي كالظامىء مهما يتجرع من الوهم لن يرتوي ، كلما صادفتك في حلم يقظة تمنيت النوم كي أراك حقيقة تأتين كشمس دافئة تذيب ثلوج شعوري)ج1 ص172
شخصيات العمل المساندة لوحيد وعفراء ستبدو حيواتها في أحيان كثيرة مجرد منصات ينطلق منها الوصف حيث مأساة الشعب اليمني هي البطل الحقيقي لذلك يأخذ وصف الأحداث مساحات هائلة في السرد والكاتبة وهي تتخفى خلف الشخصيات الساردة لا تستطيع التخلص من مبالاتها المباشرة بما يحدث لدرجة أنها تتخلى مرات عن الروائي الفنان لصالح التوثيق الذي يتقاسمه المؤرخ والصحفي في داخلها
(الأحداث الأخيرة أزاحت الكثير من ضباب الرؤية حول التهاون في حسم الحرب عسكريا أو سياسياً ؛ تصريحات متوقعة من وزراء الشرعية حول ما يحدث في الخفاء ؛ واستقالة البعض ممن يراهن الشعب على نزاهتهم كالوزير (جباري) جعلت مؤيدي التحالف يعضون أصابع الندم فاللعبة أكبر من مساعدة صديق أو شقيق) ج2 238
هذا المنحى التوثيقي المباشر سنجده في أماكن وصفحات كثيرة من جزأي الرواية مثلاً في صفحة 118 من الجزء الثاني يستعرض السرد مجازر طائرات التحالف في أسواق اليمن ومواكب الأعراس وقاعات العزاء وصورة الطفلة بثينة وإحصائيات بعدد قتلى القصف حتى نهاية عام 2016م ، مثال آخر رصد انتفاضة الرئيس السابق على عبد الله صالح ومقتلة والرهبة وانقباض الصدور التي اصابت الناس جراء ذلك ج2 ص 127 – 131 وهكذا
لكن رغم كل ما يمكن أن نجده في رواية توثيقية على هذا النحو فإن السرد كان طوال الوقت قادراً على تقديم نفسه في أرق وأجمل الأشكال ، أقصد حين يجمع بين الشغف والشجن والحزن والانفعال العاطفي في نفس السياق التوثيقي لنقرأ مثلاً زوجة وحيد وهي تكتب له عن النزوح :
(حين قررنا أنا ووالدتك ترك المنزل ، كان أول سؤال أقلقني هو إلى أين ؟ ، فلم يكن لكل مواطن يمني بيت في الريف كي يرممه كما قال مسعّر حرب ، ليفر إليه في وضع لم يخطر على البال ، ولأنه يجب المغادرة فسؤالي هو (إلى أين )يعّد ترفاً غبياً .
كان السؤال الملح هو ماذا أحمل معي من أشياء قد تحتاجها أسرة ستحتاج لكل شيء ؟
كان خوف المداهمات ، وسرقة البيوت ، ونبش خصوصياتها أكثر ما يثير الرعب ، وبدالي كل شيء خاصاً جداً وصعباً التفريط به ، فكيف تحمل حياتك كلها خلف ظهرك في مجهول نزوح إجباري )ج1 ص 62
هذا التحليق العالي الذي تتجاوز فنيته مجرد التوثيق للحظة زمنية صعبة وحرجة سيلقانا هو الآخر كثيراً في ثنايا السرد خاصة حين يجمع السرد بين التوثيق المرتكز على سماعات وشهادات وتقارير أيضاً وبين فنية التخييل والحماس للتماهي في الكتابة كفن يستطيع أن يقدم مشهد الحياة بشكل نابض يثير الإعجاب كمثال على ذلك الصفحات من 68 الى 85 من الجزء الثاني وهي الصفحات التي تقدم في مشاهد وصفية وحوارية مآسي المجندين الصغار الذين يتحولون إلى وقود لحرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل ولا تقل عن ذلك مشاهد تعذيب ( أحمد النويرة ) من صفحة 43 إلى صفحة 50 من الجزء الثاني وهذه مجرد أمثلة لا غير
وهي أمثلة تؤكد على جدارة السرد باستيعاب منطق الحياة في تجلياته المختلفة قد نجد الكاتبة تهمل أحياناً التقليد الروائي القائم على الوصف والسرد – رغم أن الرواية رواية وصف بامتياز – لكن الكاتبة كما قلت قد تهمل التقليد القائم على الوصف والسرد لكي تعبر عن سلسلة من المشاعر والاشارات وحتى وجهات النظر المتحمسة والصادمة أحياناً
إذاً نحن من الناحية الفنية أمام رواية توازن بين سحر اللغة وإدهاش الشعر ، بين الوصف والسرد التوثيقي ومن جهة أخرى في اطار التقنيات يمضي الزمن الروائي متهادياً بشكل مروض إلى حد كبير لا نشعر بالسرعة ولا نشعر بالبطء ، السرد لا يلجأ إلى التسريع إلا في حالات قليلة جداً ومثل ذلك الاسترجاعات الزمنية حالات قليلة أيضاً
الرواية مثقلة أو بتعبير آخر غنية بالحقيقة المرة إنها ليست حكاية هي حكايات كثيرة متداخلة ومتعاشقة في واقع مريض بالحدث المهول ملحمية الحدث تؤدي إلى رغبة السرد كي يكون ملحمياً هنا تتوالى الاعترافات والتحليلات وتتكشف آليات المجتمع اليمني بمدنه وأريافه بنخبه وبسطائه حيث تنغمس كل تلك المكونات في محاولات مستميتة من أجل البقاء البقاء بمعناه الوجودي بالنسبة للبسطاء عامة وبالنسبة لأنقياء النخب من نوع وحيد وعفراء والبقاء لاعبين في المشهد ومتلاعبين بالشعب بالنسبة للنخب التي تقود الحرب من كل الأطراف
إن أعمال الانسان بغض النظر عن ماهيتها هي المادة الأولية للإبداع الروائي كذلك طبائع الانسان التي لا نستطيع دائما التكهن بها حتى طبائعنا نحن كقراء نتلقى العمل الابداعي لا يمكن التكهن بها ، أثناء قراءتي للرواية كنت معجباً جداً بقدرة الكاتبة على السرد واستفاضتها في الوصف الأخاذ لكل حدث سواء كان الحدث عاطفياً أو مأساويا يتعلق بما فعلته الحرب بنا ، في خضم الحدث العظيم يفترض ألا نلتفت للصغائر الانسانية لكن مشهداً صغيراً بدا لي صادماً ، مؤلماً ومروعاً – رغم إيماني الذي لا حدود له بحرية الابداع وإيماني أيضا أن الحياة فيها كل شيء لكنني قفزت كأنني رأيت عقرباً يوشك أن ينال مني (كانت صاحبة المنزل كعادتها تجلس مادة ساقيها المكتنزتين في حوش البيت ، تتلقى أكبر حصة من الشمس ، كأنها تنافس ألواح الطاقة الشمسية لخزن الطاقة ، فكرت أن ساقيها لا تنفعان لإضاءة ليلة واحدة لرجل محروم مثلي .
وجدتني أبتسم لتفكيري المنحط هذا ، وحين شاهدت السيدة ابتسامتي ابتسمت بحرج ، وهي تخفي ساقيها المغطاتين بسروال تقليدي محبوك الاطراف تحت عباءتها الواسعة وهي تقول :
صباح الخير يا أستاذ وحيد ، هل تناولت الافطار يا ولدي؟)ج1 ص 84
جملة يا ولدي كانت قاتلة هنا يمكن أن يفكر رجل في امرأة أكبر منه الحياة فيها كل شيء لكن حين تحضر كلمة يا ولدي يحضر جلال الأم لو لم تقلها المرأة لمر المشهد عادياً تماماً ، لا أقصد أن ألمح إلى نقد أخلاقي إنما أريد أن ألمّح إلى شجاعة الكاتبة وهي تستنزل وحيد من صورته المثالية لتوقعه في حبائل بشريته بشريتنا جميعا تلك البشرية الحافلة بالمتناقضات
لربما كان المعنى الرمزي لذلك الحدث العابر في الرواية هو الاشارة إلى ارتباكة الضمير الانساني في وضع مختل كالوضع الذي نعيشه وضع الوطن الممزق الذي لخصه حال وحيد نفسه قرب نهاية الرواية
( لست أشعر بالفجيعة ؛ أشعر أنني مفتت ؛ نعم مفتت وكل جزء مني يشعر بشيءمختلف) ج2 ص228
إنه عالمنا المعمور بالشرور البشرية المتجاورة مع مثالية كثيفة ومعزية والسرد في صاحب الابتسامة يقدمه هكذا كما هو وكما نحن ، قد أختلف مع الرواية في كثير من وجهات النظر حول الحرب ومن المتحمل الأكبر لوزرها وحول أدوار قوى سياسية بعينها لكن هذا لم يعد مهماً كما أنه ليس جريرة فاختلاف اليمنيين وانقسامهم واضح وعلني وتمزق النسيج الاجتماعي لم يعد خافياً مع الأسف الشديد
بقي أن أشير إلى أن العتبات الكثيرة التي وضعتها المؤلفة بين فصول روايتها كانت هي أيضاً ناجحة جداً ، ناجحة لجهة دلالاتها على ما ستسلمنا إليه ، وناجحة بجمالياتها الكامنة فيها وحين نقرأ في أولى تلك العتبات :
(لن أكون نقطة في نهاية سطر الحياة
بل سأملأ صفحاتها وجوداً وضجيجاً
المجانين هم العقلاء في هذا الزمن وأنا مجنونة
كفاية كي أكون أعقلهم) ج1 ص5
فإن هذه العتبة تجعلنا نفكر في المؤلفة نفسها فقد ملأت صفحات روايتها الكثيرة بضجيج الجمال والفن والأحاسيس الانسانية النبيلة وكانت مجنونة بشكل كاف لتقدم لنا جنون الحرب وتدين وقائعها المحزنة

إضافة تعليق

إضغط هنا لإضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *