how to add a hit counter to a website
أخبار محلية إسم في أخبار

«فيصل السراجي» قصة صحفي يبيع الثلج في شوارع العاصمة

الواقع اليمني | العاصمة اونلاين

كتب كثيرا عن المهمومين، عاش زمنا طويلا في غمرة المساكين، ليالي عديدة لم يغمض فيها طرفة عين، سهر طويلا ناقلا عذابات الإنسان من كل بيت في هذا التراب اليمني، نام منشغلا بقضايا الجمهور، كان أيضا يستيقظ على وقع رسائلهم التي لا تنقطع.. عمل في صحف عديدة، كان آخرها “أخبار اليوم”، وما أن هبت رياح الجائحة الحوثية، استهدفت مؤسسة الشموع التي كان يعمل فيها، وفقد الرجل مصدر عيشه الوحيد وأصبح مهجوراً على الأرصفة يفتش عن لقمة عيش كريم..!

هي ثلاثون ألف ريال، ثلاثون فقط كل ما كان يتقاضاه كمرتب رسمي، ويحيا به على شفا الحياة، ثم فجأة فقدها وصار يقف وحيدا وأعزلا، تحت سلطة مليشيا صادرت كل ما يملك، دونما اعتبار لعرف صحفي او قيمة أو خلق..

هذه تراجيديا صحفي موغلة في الفزع، وجحيم إنسان كل ما يملكه قلم وصحيفة، وقد بات اليوم تائهاً يتلقى قدره بلا كتف يسنده ولا نقابة تحمي حقوقه في زمن المليشا الحوثية التي عممت كل شيء وكممت جميع الأفواه بمن فيهم أولئك الصحفيين الذين كانت اهتماماتهم ذات طبيعية اجتماعية ولم يشتغلوا في الجانب السياسي قط ؛ بل نذروا كل حياتهم لهموم الناس ومشاكلهم، ومنهم هذا الصحفي الذي عاش يفتش عن قضايا البسطاء وينقل أوجاعهم للفضاء العام؛ لكن ذلك لم يغفر له عند عصابة لا تكترث لشيء ولا يعنيها سوى أنك صحفي ، وتلك تهمة لا تحتمل الغفران، بنظر جماعة بلا عقل ولا ضمير ولا ذاكرة..!

ما يقارب ثلاثة أعوام والرجل يبتلع كربته وحيدا في جنح الظلام مجردا من كل شيء، يعيش هو وزوجته وجدران غرفته المستأجرة/ دينا، وبسطة ثلج لا تكاد تمنحه مصروف يوم واحد، هكذا يقضي أيامه وسط عالم كئيب، ولا أحد يعلم كيف تمر به الأيام..!

بدأ عمله في الثلج معتمداً على مبلغ صغير اقترضه من جهة ما كي يتمكن من توفير مصاريفه اليومية، دفع جزءا منها في رمضان، وبعد أن خف العمل بعد رمضان وجد نفسه عاجزا عن تسديد ما بقى عنده، قدم عليه صاحب المبلغ شكوى إلى القسم، اضطر الرجل أن يمنحهم ما قد كان جمعها ايجار للمنزل، وحين عجز عن تسديد إيجار المنزل هدده صاحب البيت بالطرد أكثر من مرة ، هو الآن حائرا يفكر بطريقة يغادر بها العاصمة، ويعود إلى قريته؛ لكنه كما أخبرني لا يملك تكلفة نقل عائلته، يا لها من مأساة ويا له من زمن رديء..!

عندما تجد الرجل يبتسم بثراء في وجهك، وكعادته يشع بشاشة وشهامة لا تعرف الفتور، ينفق عليك بسخاء نادر فيما لو طلبت منه..
ولهذا يعجز الكثير عن إدراك حقيقة وضعه، حتى أقرب الناس إليه لا أظنهم يستوعبون التي يفضل أن يعيشها وحيدا، الرجل ممتلئ بحس الأنفة والعفاف، كثير التزهد لا يجرؤ على التأفف أمام إنسان ليبوح له بألمه، يفضل أن يضطجع على سريره ضامرا، خاوية أمعاءه من فتات قليل، على أن يكتب جملة يشكو فيها قهر البقاء ومرارة العيش دونما مصدر رزق كريم.
عندما سأله محرر “العاصمة اونلاين” “يا فيصل إيش رأيك تتواصل مع أصدقائك، بيشوفوا لك حل؟”.. تنهد بصمت ثم قال: في وضع كهذا لم يعد العمل بالصحافة مغرياً، حياة مكتئبة يا صديقي، كان حديثه تصريح شخص مطعون يشعر بالخذلان، ومحبط تماماً من العمل الصحفي،
شخصيا أحس بجرح مفتوح داخله، كان شغوفاً بالصحافة؛ لكنه الان ملسوع في أشد مواضع جسده حساسية وحرقة، هذا الرجل لديه قدرة عجيبة على اخفاء معاناته، يشعرك أنه في وضع طبيعي جدا، حتى وهو لا يجد ثمن الطعام لليلة واحده..!
عاش سنة كاملة لا يحصل فيها على ريال واحدا، باع كل ما بحوزته، فقد كل ممتلكاته البسيطة، كافح كثيرا ولم يسقط أبدا، وأخيرا انتهى به الحال في “بسطة الثلج الصحفية” الشهيرة في شارع الرقاص بالعاصمة اليمنية صنعاء..
“لا تخجل من دموعك”: أردد أمامه هذه العبارة التي ابتدعها الروائي الروسي الشهير ديوستيفسكي؛ كي أدفعه للشجاعة وكتابة كل هذا الشقاء الذي حل به.
“فيصل” على النقيض من هذا تماما، يعتلج أساه وحيدا مظللا بسماء سوداء ملأت حياته بؤساً وفاقة، ولا يحب الافصاح عنها، هذه واحدة من آلاف القصص المأساوية التي يعيشها اليمنيون جراء اجتياح المليشا الحوثية لحياتهم، وكثر من الحكايا مدفونة لا يفصح عنها أحد، وما زالت تنتظر من ينقب عنها كي تتجلى بشاعة الكارثة التي صنعتها الظاهرة الحوثية في حياتهم، وما زالت تداعياتها تتكاثر كل يوم.